الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

473

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في الاجتهاد لما كان محلا للخلاف فظهر أن استنباط الأحكام على النحو المذكور خارج عما هو محل الكلام فلا حجة فيه على ما هو مورد النزاع في المقام الرابع ظواهر عدة من الأخبار منها مشهورة أبي خديجة المروية في الفقيه وغيره وقد دعي اشتهارا بين الأصحاب اتفاقهم على العمل بمضمونها فينجبر بذلك ضعفها وفيها انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايا فاجعلوه بينكم قاضيا فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه وورد الرواية في القضاء لا يمنع من دلالتها على المدعى للاتفاق على عدم الفرق بين القضاء والإفتاء وقد يناقش فيه بأن المذكور في الرواية خصوص العلم ولا شك في جواز عمل المتجزي به إنما الكلام في ظن الحاصل له ولا دلالة في الرواية على جواز أخذه به وحمل العلم على الأعم من الظن وإن كان ممكنا لشيوعه في الاستعمالات سيما في الشرعيات إلا أنه مجاز لا يصار إليه إلا بدليل ومجرد الاحتمال غير كاف في مقام الاستدلال وحمل قوله عليه السلام عرف أحكامنا في مقبولة عمر بن حنظلة على الأعم من الظن نظرا إلى الإجماع على عدم اعتبار خصوص العلم في الأخذ بقول المطلق لا يكون دليلا على حمل العلم هنا أيضا على ذلك بإمكان الفرق بين الأمرين وقد يجاب عنه بقيام الإجماع على اعتبار الاجتهاد في القاضي فإن كان ما يظنه ذلك العالم بالبعض حجة بثبوت المقصود وإن لم يكن مجتهدا فيلزم الحكم بصحة قضاء من لم يبلغ درجة الاجتهاد وهو كما عرفت خلاف الإجماع فتأمل ومنها مكاتبة إسحاق بن يعقوب إلى الحجة عليه السلام وفيها وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله فإن ظاهر إطلاقها يعم القضاء والإفتاء ويتناول ما لو كانوا قادرين على جميع استنباط الأحكام أولا وقد يناقش فيه بأن أمره عليه السلام بالرجوع إليهم في الحوادث الواقعة شاهد على كون الرجوع إليهم عالمين أو قادرين على استنباط الجميع إذ لا يمكن إرجاعهم إلى غير القادر على الاستنباط ولا يكون ذلك شأن المتجزي وقد يدفع ذلك بأن غاية الأمر اعتبار قدرة الكل على استنباط الكل ولا يلزم من ذلك اقتدار كل من الآحاد على الكل لئلا ينطبق على المدعى فتأمل ومنها مكاتبة ابن ماهويه وأخيه إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام المروية في الكشي حيث سألاه عمن يأخذا معالم دينهما فكتب عليه السلام إليهما فاعتمدا دينكما على كل حسن في حسبنا وكل كثير القدم في أمرنا كأنهم كأخوكما ومنها ما عن تفسير الإمام فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا عما هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه فإن ظاهر إطلاقها يعم المتجزي في الجملة بناء على شمول لفظ الفقيه من قدر على استنباط جملة وافية من الأحكام وعرفها عن الأدلة وإن عجز عن الباقي وفيه تأمل ويمكن الإيراد على الاستناد إلى تلك الأخبار بأن أقصى ما يستفاد من إطلاقها على فرض دلالتها الظن بجريان الحكم في المتجزي ومن المقرر عدم جواز الاستناد إلى الظن من حيث هو فلا يصح اعتماد المتجزي عليها نعم لو قام دليل على حجية الظن الحاصل من الأخبار مطلقا تم الاستدلال إلا أنه محل المنع لعدم قيام الإجماع عليه كذلك كيف ولو سلم ذلك لكان بنفسه حجة مستقلة على جواز التجزي من غير حاجة إلى ضمها إلى ذلك حجة القول بالمنع من التجزي وجوه أحدها أصالة المنع من العمل بالظن الثابت من العقل والعمومات الناهية عن الأخذ به كتابا وسنة خرج عنه ظن المجتهد المطلق بالإجماع فيبقى غيره تحت الأصل إذ لم يقم دليل قطعي على حجية ظن كما قام على حجية ظن المجتهد المطلق وفيه أن الأصل كما قضى بالمنع من العمل بالظن كذا قضى بالمنع من التقليد عليه بل هو أولى بالترجيح لكونه كاشفا عن الواقع على سبيل الرجحان بخلاف التقليد إذ لا يدور مدار ذلك سيما فيما إذا قضى الظن الحاصل للمتجزي بخلافه ويمكن دفعه بما مرت الإشارة إليه من أن ما دل على عدم جواز رجوعه إلى ظنه لما قضى بعدم حجية ظنه في شأنه كان الظن الحاصل له كعدمه فيندرج حينئذ في عنوان الجاهل فلا يندرج فيما دل على المنع من التقليد فالقول بقضاء ما دل على المنع من التقليد أيضا باندراجه في العالم لانتفاء الواسطة بين الأمرين مدفوع بأن ما دل على المنع من التقليد لا يفيد جواز عمله بالظن إذ أقصى الأمر قضاء الإطلاقين بعدم جواز عمله بشيء منهما لكن بعد دلالة الإطلاق الأول على عدم جواز عمله بالظن يتعين عليه الأخذ بالتقليد لاندراجه حينئذ بذلك في عنوان الجاهل حسبما ذكرنا لا يقال إنه بعد قضاء الإطلاقين بعدم جواز عمله بكل من الظن والتقليد وقضاء الإجماع بكون وظيفة الشرع الأخذ بأحد الوجهين لا بد من ملاحظة الترجيح بين الأمرين أو التخيير فلا يصح الحكم بتحكيم الأول نظرا إلى ما ذكر أو نقول ذلك إنما يتم هناك دليل على وجوب رجوعه إذن إلى التقليد وأما إذا أفاد على عدم جواز عمله بالظن على اندراجه في الجاهل ولم يفد ما دل على المنع من التقليد سوى منعه من الرجوع إلى الغير كان الأول حاكما على الأخير بملاحظة ما دل على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم لوجوب تقديم الخاص على العام وليس الحكم بوجوب التقليد عليه إلا بملاحظة ذلك إلا بمجرد تحكيم الإطلاق الأول على الأخير وبالجملة دلالة الإطلاقين على ما ذكرنا بكون قضية ما دل على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم ولزوم التقليد فلا يبقى تردد بين الأخذ بأحد الإطلاقين ليرجع إلى التخيير أو غيره فإن قيل ذلك مغلوب على المستدل لدلالة الإجماع على حجية الظن على من ليس شأنه التقليد فإذا رجع دل الإطلاق الثاني على عدم جواز التقليد في شأن المتجزي أخذا بما يقتضيه الإجماع من وجوب رجوعه إلى الظن لكونه حجة في شأن غير المقلد والحاصل أنه كما قضى ما دل على المنع من العمل بالظن باندراجه في الجاهل فيدل ما دل على وجوب التقليد في شأن الجاهل على وجوبه في شأنه كذا قضية ما دل على حجية الظن في شأن غير المقلد هو وجوب أخذه بالظن قلت لولا اقتضاء الإطلاق الأوّل بنفسه على اندراجه في الجاهل وعدم اقتضاء الثاني كذلك اندراجه في المجتهد صحّ ما ذكر نظرا إلى قضاء الإطلاق الأول بعدم اندراجه في المجتهد فيلزم اندراجه في المقلد للإجماع على لزوم التقليد في شأن غير المجتهد وقضاء الإطلاق الثاني إلى منعه من التقليد فيرجع إلى الظن لقيام الإجماع أيضا على حجية الظن بالنسبة إلى غير المقلد أعني المجتهد فلا وجه لتحكم أحد الإطلاقين على الآخر من غير قيام دليل عليه وأما بعد ملاحظة اندراجه في الجاهل بنفس ملاحظة الإطلاق وعدم دلالة الثاني على اندراجه في العالم يكون قضية الإطلاقين بالمذكورين عدم جواز أخذ الجاهل المفروض بالظن والتقليد وحينئذ فلا ريب في لزوم ترك الإطلاق الثاني للدليل الخاص القاضي بوجوب تقليد الجاهل فتأمل ثانيها أنه قد قام الدليل القاطع على عدم العبرة بالظن من حيث إنه ظن وإنما يصح الاعتماد عليه بعد قيام القاطع على الاعتداد به